أحمد بن علي القلقشندي

354

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

المباحث طلقها ، ويعمّرون مدارسها : فيا لها من ذات دروس يكون العمران معتلقها ومعتنقها ! . ولمّا كانت المدرسة الرّيحانية بدمشق في أيدي العلماء نخبة ريحانيّة ، وشقيقة نفس نعمانيّة ، مأهولة المنازه والمنازل بكَّل ذي فضل جليّ ، وعلم مليّ ، ووصف كريم ، ونفس نفيس يتلَّقاه منها روح وريحان وجنّة نعيم ؛ وخلت الآن من إمام كرمت خلاله ، وعظمت خصاله ، ومضى وتمضّى وما يبقى إلَّا اللَّه جلّ عن الحوادث جلاله - فتعيّن أن نختار لتدريس مكانها من يفتخر به المكان والزّمان ، ويتشيد بزيادة علمه لصاحب مذهبها أضعاف ما شاده زياد للنّعمان ، من شيّد الشريعة الشريفة مقاله ومقامه ، وعلا عماده إلى عقود الشّهب فللَّه مراده ومرامه ، من لو عاصره « ابن الحسين » ( 1 ) لحسن أن يعترف بقدره الجليل ، وقال عند محاضرة بحثه كما قال « أبو يوسف » ( 2 ) : فصبر جميل ، واستزاد « شمس الشريعة » فكيف « السراج » من لمعه البريقة ، وقال « ابن الساعاتي » ( 3 ) : ما رأيت أرفع من هذا القدر درجة ولا أبدع من هذا الذّهن دقيقه . ولذلك رسم بالأمر الشريف - لا زال عاليا بأمره كلّ عماد ، زاهيا بمحامد ملكه كلّ ناطق وجماد ، أن يفوّض لفلان . . . لأنّه المعنيّ بما تقدّم من الأوصاف الحلوة إذا تكرّرت ، والمقصود بألفاظها إذا تعنونت الأفهام وتيسّرت ، والمعوّذة فرائد مباحثه المفرّقة ب * ( إِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ وإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ ) * ( 4 ) ، وإمام المذهب الحنفيّ والحكم الأحنفيّ ، وحصاة القلب الَّتي

--> ( 1 ) لعل المشار إليه هو محمد بن الحسين ، المعروف بابن أبي الحسين ، المتوفى سنة 626 ه : وزير من العلماء باللغة . ( الأعلام : 6 / 102 ) . ( 2 ) هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري المتوفى سنة 182 ه : صاحب الإمام أبي حنيفة وتلميذه ، وصاحب كتاب « الخراج » . ( الأعلام : 8 / 193 ) . ( 3 ) هو ابن الساعاتي الفقيه ، أحمد بن علي المتوفى سنة 694 ه . ( 4 ) الانفطار / 2 - 3 . واللفظ : وإِذَا الْكَواكِبُ الخ .